مذكرات كلب غير عابئ ولامخدوع
3 تقاطيع من أحزان الناس
عيشة تولي وجهها شطر المدينة
1
تناول» كسكس « بلحم ديك فائر، التقطت » مارية« بدورها بعض حبات الزبيب المتناثرة. أكلا ما فيه الكفاية.
ولما رفع يده عن الصحن، التقط بصره، على بعد قريب منه، في الغرفة المقابلة لغرفة الأكل، هيئة قابعة تراقب الناس والأشياء. إنها أشبه بحجلة أليفة، أو دمية لا تنطق:
» بعض الحلقات مفقودة فينا. إننا –على ما يبدو– لفي طريق إلى تفكك واندثار «
كانت » عيشة « ترعى غنما. جاءت من بلد اللوز و» أركان«، حيث الشمس أكثر اتقادا. الجفاف هناك يمص رطوبة العيون، يندلع من الطبيعة صراع خفي لا يلبث أن يتعقد، وحينما يدخل مراحله الحاسمة، تخرس ألسنة الأغصان.
لما كانت بالجبل، خضبت كفيها بالحناء، لم يكن لها من عمل، لا تكاد تمر لحظة دون أن تنتابها رغبة جامحة، وهي تقرض في الحقول بأسنانها، ما جمعت من لوز وجوز: كانت تتلهى بصيد السناجيب.
غير محدود عملها: تحرس حقول البقول الندية من الطيور، وما إن تلمح سنجابا حتى تجري وراءه، تصيح في غبطة قروية:
» هاهو ! أمسكوه.. ويحك ! قف! «.
ثم ترتمي على ذيله المنتفخ؛ وقد سقط منها خمارها المزركش؛ وفي نشوة تردد:
» قذر! «
ولما أتى على ما في الصحن قال بحدة:
» كيف يمكن تغيير سلوك القرويات؟ «
» ننزع – نحن الإناث – إلى المغامرات. وإلا، فكيف يفسر سفر» عيشة « من بلد الشمس والأهازيج، والحب، إلى موطن الأصباغ ونتونة الجنس؟«
الكلمات تمر سراعا وراء أذنها. تصغي إلى كل ما يقال، لكنها لا تفقه من العربية، كلمة تجديها فتيلا.
سلحفاة لا تكلم أحدا.
لها سر لا تبديه.
هو:
» سواك، مارية، من يزيح الستار عن سرها! «.
هي:» تسألني عن السبب الذي من أجله ركبت أهوال السفر، في انحدار وصعود شواهق الجبال الفاصلة بين سهول تزنيت الممتدة إلى أغادير، وبعد ذلك، لا ترى إلا منحدرات وأراضي واطئة حتى ساعة وصولها إلى الدار البيضاء؟ «.
المدينة مهبط أفراح، تظهر فجأة وتختفي، إنها تسفك دماء الفراشات.
مارية تعرف كل شيء عنها.
خفضت من صوتها، وهمست في أذنه:
» عيشة، أمضت طفولتها وجزءا من شرخ الشباب، تجري وراء السناجيب. لم يطلب أحد يدها. خافت من البوار«
هو:
» كم تموج أرض المدينة بمطايا الأحلام! «.
هي:
» فيها من كل غث وسمين، فلنتركها تبحث عن الفارس! «.
هو:
» أما تناولت طعاما؟ «.
هي:
» بلى... كانت أكلتها المفضلة « » كسكس « بلبن ومسحوق السعتر.
الضيفة ينتابها الغثيان، من وقت لآخر، منذ وطئت فدماها أرض الأشواق والأضواء.
علم هو، أن » عيشة«، خلبت لبها الأضواء والألوان، والضجيج المصطنع، تساءل:
» ما وراء كل هذا؟«
هي:
»ضجيج يخفي وراءه بطالة قاتلة، جعجعة رحى كاذبة، ينتظر صغار أن تطعمهم«
» عيشة« أحست بالامتعاض: انكشف لها بعض الحقائق. وكلما تذكرت مسقط رأسها، هزها الشوق. هناك، كانت تحتسي لبن الضأن من الضروع مباشرة. تشم أوراق السعتر والنعناع. الضيفة بكت كثيرا أول ليلة تنزل فيها المدينة.
- جاءتني رائحة » الكسكس« من الشارع الخلفي.
قال صديقه ودفع الباب في طريقه إلى المطبخ.
أسرعت إليه مارية. وبعد لحظات وضعت صحن الكسكس أمامه: » ليلتهم ما شاء من الحبات«.
كان الصديق يلوك لقم الكسكس بين أشداقه، وهو لا يكاد يصبر عن أكله. وقد قال ذات يوم وليمة:
» أطعمونا كسكسا بين الآونة و الأخرى؛ فإن كل حبة من حباته تضاعف لكم الحسنات، وثوابها عظيم! «.
أثار حفيظة الفقهاء عليه. فأيقنوا من سياق حديثه أن لا فائدة من انتظار » جامع الجوامع«.
لمح » عيشة«. توقف عن الأكل، ثم دق بيده على المائدة:
- مارية ! مارية!
ولما حضرت، قال لها بعد تردد » هل... إني أريد رؤيتها.«
فعلت ما أمرها عن حسن نية.
قالت عيشة في ابتسام ساذج: » اسأليه، ماذا يفعل برؤيتي، فقد لا أروق لأحد من أهل المدينة«؟
ثم سوت عباءتها...
رد الصديق في صعلكة أهل الجبل ووقاحتهم:
» الأشواق وذكريات أحواش تذيبني؟«.
» عيشة«:
» وما عساني أفعل للأشقياء؟«.
الصديق:
» فلنتحدث في أمرنا«.
علقت مارية، وهي تداعب عقد مدلاتها:
- هو ذو اشتهاء. منذ عهد بعيد، فقدت كلمة (حب) في المدينة!
ثم خلصت إلى صاحبها تاركة الصديق يهيم مع أحلام الجبل
الساعة الثامنة مساءً! ألقى الصديق نظرة فاحصة على كل محتويات الصالون، على الجانب الأيمن من المدخل، لوحة انتهت مارية من رسمها لسفينة شراعية، زم شفتيه سخطا ودمدم:
- الأوقات تضيع في التوافه، لو رسمتها أنا، لجاءت أروع!
عاد إليه يعض الارتياح، وهو يتذكر عمله في معمل النسيج الذي تولاه، ككاتب عام. لم يكن هذا الحدث إلا منذ عهد قريب.
لمحه يجلس إلى » مارية«. كانت نفسه تغلي كمدا على الناس كلهم.
حادث » عيشة« بلهجة أهل الجنوب، ولما استفاق، وجد أن برامج التلفزة، قد توقفت عن البث، فأدار المفتاح وتقلصت دوائر الشاشة. تنبه إلى حذائه، فخلعه وأزال ربطة عنقه، ثم ارتمى على الأريكة يستسلم للنوم. ثرثرة الصديق وعيشة تتسرب إلى صماخيه. لم يفقه شيئا مما هما فيه من أسمار.
2
السابعة صباحا!
قالت مارية:
» ألم تناما الليلة الماضية؟«
كانت بدورها، ذات يوم، تبحث عنه في كل أطراف المدينة. ولم تعثر له على أثر، فجاءها طوعا، يوم يئست من لقائه!!
كم كانت فرحتها يوم ذاك! تنفست الصعداء، كطفل يعثر على دمية مفقودة.
ثم تطور إحساسها إلى شعور عال جدا.
وكانت تشير إلى ما أيقظه هو في نفسها: الصديق، و» عيشة« يلتقيان دون سابق معرفة. وقد يقال: إن الحب يأتي صدفة، ومن يدري؟ لعله كالجاذبية المغناطيسية، وإلا، كيف تم لقاء الميول المضادة: »عيشة « بميولها الرقيقة، والصديق بشتى ميوله العدوانية؟
كيف يفسر، أن » عيشة«، ينتظرها حبيب عاشق، على أتم استعداد، وقد هزه الشوق إلى » أحواش«، على بعد أكثر من سبعمائة وخمسين كيلومترا تقريبا؟ فإذا بعيشة تركب إليه أجنحة الأحلام، سائرة إليه حتما، دون أن تدري.
تركت عادة الجري وراء السناجيب في حقول تافراوت الجافة القاحلة، وستفرغ تلك الحيوانات إلى شأنها: تقرض ثمار » أركان« في منأى عن الأعين. وسيتشاجر الفلاحون من أجل جوزة واحدة. وقيل؛ كلما حدثت مشادة بينهم: إن هذا النوع من الثمار، رمز للخصومات.
لم تعلق » عيشة« على قول مارية بشيء.
أما الصديق فقد استغرق في أفكاره: ( التملك، أن تملك أشياء مادية. ماذا تساوي » عيشة« برمتها؟. أنا لا أغار إلا على مركزي الجديد المبني على مواهب أجهض بعضها المجتمع. والباقي جعلته في مأمن عن الشرور).
حركته مارية، وكان قد أسند رأسه على كفه ممسكا بأصابعه صدغه:
» قم؟«
هو:
» التفكير يتعدى الواقع. نحن نفكر أثناء اليقظة والحلم على السواء«
حرك جفنيه وأضاف:
» الحلم نموذج من التفكير، كم حلت الأحلام من مشكلات!«
وانتصب .....
3
لم يحضر هو ولا الصديق. وزحف المساء على مارية.
هي:
» المشاكل لا تحل. لن نحس بطغيان العواطف«.
ألقت نظرة على » عيشة« : » تصبحين على خير« قالت مارية لعيشة و تثاءبت.
الأسرار تستيقظ. الليل يحرك المشاعر الخفية.
وتأملت المدينة والظلام من خلال النافذة: الشوارع مقفرة، هرة سوداء تموء! القطة تضع، تأكل قطا أسود. المدينة نائمة. ونبح كلب شرس، وفي سرعة، حملت الهرة السوداء صغارها إلى الحديقة المجاورة.
سقط المطر يغسل آثام المدينة تحت ستار الليل. ولما أغلقت النافذة، راحت تتذكر البيت القروي المبني باللبن والأحجار والمسقف بجذوع النخل.آه !. لسوف تقشعر أمها، حينما تومض خيوط البرق في الظلام، وستنزوي في ركن إذا ما جعجع الرعد، كصخور تدحرج من قمة جبل!
» يا الله! من يسد ثلمات السقوف المتقطرة؟«
ستخرج السناجيب من جحورها، تغير على الحقول! تمرح كيفما تشاء.
أما آن لها أن تتخلص من هذه الأفكار بعد، وهي لا تحس إلا بالتضعضع، كلما تسرب شقاء قريتها إلى نفسها الصافية؟ ما أشد وطأة الهموم الصغيرة على قلب مكدود كقلبها!
يا للحرج!. بل ما كانت لتشغل بالها مثل هذه الهواجس قبل رحيلها، وسوف تظهر الحقيقة في الصباح عندما تشرق الشمس على المدينة.
توالت قطرات المطر، تنقر زجاج النافذة. أحست بدبيب الدفء والحنان يتخلل أعطاف الأرض والنبات.
» هاهي ساعة الخلاص أتت«.
غدا تشرق الشمس على المدينة، تجفف ما بلله المطر. حينئذ، يتضح وجهها المغسول. وهي، هل اتضح وجهها لأهل المدينة؟ أين هي من أهلها؟ لا يحب حكايا السناجيب إلا الأطفال. حتى رقصات ( أقوال)* ، لا يتذوقها هو، أو مارية.
اشتعلت نفسها، قد امتلكتها حوافز الرغبة، رغبة الاندفاع في ممارسة الحب إلى جانب التمنع والترفع عليه هو، إلى حد إذلاله وتليين قناته.
مازال الكون ملفوفا في أستار الظلام، يمضغ الوحل، لا يشق سكونه إلا مواء القطة الشقية التي انتهت من الوضع منذ دقائق.
لعل أهل الحي أيقاظ حتى هذه الساعة. ولعل كل واحد منهم منغمس في أهوائه.
وكان الحب لديها، قبل أن تقرأ الردة في عينيه، هو مجرد اندفاع، كما الشان عند الراقصات في أحواش، في نقر الدفوف، وقرع الطبول، ثم لذة التملي بطلعة الحبيب، والتقرب إليه زلفى، في حركات تأملية، في انسجام كتلك المرحلة التي تبلغها الرقصة الحارة، ثم النفور والتفرق ( ماذا يصفي النفوس ويجلوها، في مختلف الأعمار، مما علق بها من شوائب الحرمان، سوى رقصة من » أحواش«؟).
تمتمت شفتاها:
» لله در» العامت«!** لافضت أفواههم، ولا تفرق جمعهم! .
البيضاء خريف 1975
الفقيه والمدينة والبحر
المقامة الأولى
هو:
» يا شيخنا، يا منبع الحكمة: أراك ملفوفا في دوامة من الصمت كأنما وضعت على صدرك أثقال من حديد!«.
» كنت تردد علينا في تورية شعبية: » رجالك، وجمالك، وبغالك!« «.
» وكان سذجنا يحسبون وصاياك أفعالا ماضية، فيها ضمائر مستترة فتضرب بعصاك اللوح، وتقاطعنا،» أو إن لم« يستجب عدوي وعدوكم إلى مطالب الآمة. والجمال، مطايا للغايات القصوى. والبغال، لقضاء المآرب الدانية!«.
وما إن انتهت جذبة الجاز البلدي حتى اعتلت المائدة المغربية الدائرة الشكل، شابة رقصت على الأنغام، هزة بطن، واختلفت ضروب المقامات، طولا وقصرا. ثم سال العرق من جبين الحية التي تخشى غضب الله! ولم تهدأ إلا بسكون الأنغام. وفي كل »دردكة«، تتساقط الأحمال مع العرق.
لم يبق ما يثقل الكاهل، سوى الزيف والاندحار ! صدئت العيون بالخلاعة، والدخان، وأنفاس السكارى، حتى إذا برزوا إلى الشارع الأمامي، واضحة النهار، ساروا مثقلي الخطى حزنا وأسى. لقد عقلت الهواجس شفاههم.
ولأن كلمة تنبع من الحزن وذيول الشقاء، أعمق أن تقال. فلماذا الوجوم؟
المقامة الرابعة
» أنغامك يا مدينتي الكبيرة، ويل علينا مدى الأيام، والصابرون الحزانى معفرة جباههم بأتربة الخشوع. ألف كلب وكلب، يهزون أعطافهم للرجل المتأنق المخنث«.
» أيعجبك هذا أيها الشيخ؟«
ويجيب الشيخ والدمعة تتحجر في عينيه:
» بالطبع، لا...«
هو:
» خلعت، أيها الشيخ، نعليك، ومشيت في عرض الطريق، تجري دون التفات، وقد اختلت الموازين، وانقلبت الأوضاع،وتغيرت الأفهام، كل شيء رأسا على عقب، حتى (الجد) و(الجدة)، تسربت إليهما»الخلاعة« وناضروا الأحفاد...! «.
»تجري وشفتاك ترددان: »اللهم إن هذا منكر !«..ولا تقف إلا في غابة على هذا المحيط، المحيط بالألغاز.
» لمحت – يا سيدي- آفاق الماء تختلط بزرقة السماء، فهممت أن تركض مع الموج إلى جزيرة خالية، وتذكرت، أن الموج يصطخب هديرا، وأن للبحر غضبة كغضبتك، هممت أن تجري على امتداد شاطئ البحر، حتى يهدأ غضبك، لولا أنك سمعت صوتا يناديك: «
» عم تبحث أيها السيد؟«
وأضاف:
» قف !«
تنبهت:
» يا للذعر !«
رأيت الصياد يمص غليونه ويداه على القصبة. أجبته:
- عن مكان فيه الصفاء، فيه الطهارة، فيه العدل
- ألم تترك طلباتك كلها في المدينة؟
- المدينة مذنبة ظالمة.
- كلها؟
فكرت طويلا ثم أجبت:
- الناس غاوون بعضهم بعضا، والغاوون أكثر من الهداة.
فكر الصياد في كلامك، ثم عقبت متسائلا:
- هل يرتاد أهل المدينة هذه الأمكنة؟
وما أن سمع الصياد عبارتك حتى قهقه، ومال برأسه إلى الوراء، فسقطت منه القبعة على الصخرة. أخذها برفق وسواها على رأسه ثم أوضح:
- هذه الأمكنة يرتادها البشر ثلاثة أيام من كل أسبوع. ولا سيما الجنس اللطيف، فترى الرجال والنساء يتجردون من الثياب؛ فتبدو جل المحاسن للعيان. البحث عن الطهارة هاهنا ضلال.
أبديت نوعا من التفاؤل:
- لا ضير، الماء والشمس يغسلان ما دنسنا، وذلك الموج الذي تراه، لا يهدأ ولا يستريح.
تركت الصياد يتفكر في كلماتك : لم يعلق عليها بشيء.
ثم انحنيت على حبات الرمل تقلبها بأصابعك. على جنبات الشاطئ، كل الجروح العفنة.
تأملت قليلا في الكون: مازال الموج يغلى هناك، ويدمدم على الدوام. والصخور العتيدة تغمس أقدامها في خضم تلجلج أمواهه، من ملايين الأعوام.
لم تلبث جحافل الموج أن اكتسحت أعالي الصخور، فأغارت على البقية الباقية من الرمال والمحار.
انتعلت حذاءك، وأقفلت راجعا إلى المدينة.
هو:
» أتغسل أمواج البحر أدران العار الملتصقة بذواتنا منذ سنين؟«
اكفهر وجه اليم، اكتأبت الآفاق بألف سؤال حائر؛ وطفق الموج يبطش بالطحالب، يجرها إلى الشاطئ الرملي،فيتركها هناك، جروحا عفنة على حافة البحر.
المنهزمون
1
لفه زقاق المدينة القديمة، حيث أطلت مصابيح خافتة، عند الزوايا والأركان. الظلام رموش، والمدينة تغمض عيونها في حلم. انطبق بعض الهدوء على أطرافها، إلا من خطوات المعربدين، وخصام بنات الليل.
ترك هذه المدينة منذ سنين حينما كانت تموج باليهود واليهوديات، حينما كان يقف على بعد قريب منه، جنود شقر شرسون، تساعدهم » قوة أجنبية« وبعض المغاربة، في جلابيب مخططة.وكان يسمع يوذاك، خليطا من التحاور بالفرنسية.
- هل جاء » الأدجودان«؟
- نعم، سيدي» الكولونيل«
- ترى، ما الذي يفعله السرجان بيار بدوره؟
- إنه منهمك في إعداد حفلة استقبالكم يا سيدي
- كيف تغاضيتم عما وقع صبيحة اليوم في السوق المركزية؟
- ماذا حدث؟
ودون أن يكترث الكولونيل بمخاطبه:
- لقد أهانوا ثلاثة من الضباط
- من ؟
لم يطق الكولونيل صبرا، فنهره مشيرا إلى الأسلحة:
- لا تطلقوا نيران أسلحتكم فرادى!.. أسمعت؟
- مازالت تطن في أذنه، تلك العبارة التي لم ينسها قط:( قف!.. من أنت؟ وإلى أين تسير... ابسط أوراقك بسرعة، وإلا..؟!).
لوى خطواته، وانحدر أماما، ثم ظهر له "باب الدار"، رغم حلكة الظلام. ولجه تحت أستار الليل. وفي الدهليز، انشق باب غرفة سفلى من خلال السواد. تمهل قليلا، فلما سمع صوت صديقه، وميزه، دلف إلى الغرفة لا ينثني فما أحس حتى انبرى إليه الصديق من بين الحاضرين، وعانقه في حرارة المراهقين:
- عجبا ! كيف اهتديت إلى هذا المكان ؟ إن أسماء الشوارع قد يطمسها البلى أو الظلام؟
- هل عندك إحساس بالذنب لأنني جئت على غير ميعاد؟
الصديق:
- إنما أخشى أن لا يعجبك الوضع في الغرفة.
وتحت الإحراج، ألقى هو، نظرة على المكان؛ ككل مكان، يجتمع فيه العزاب طبعا.
قبل أن يجلس، استعرض الحضور: ثلاثة من صيادي السمك وسطهم حسناء، و في الطرف المقابل، سيدة أخرى.
وما إن سقط بصره للمرة الثانية عليها، حتى ركز ذهنه، وحاسته في الماضي القريب. منذ ثمان سنوات فقط، كانت تجلس في المقعد المجاور له، تتردد على المعهد ملثمة الوجه.
وتستوقف الشيخ أثناء المحاضرة عن كل دقيقة وعظيمة من الأحكام: تمنطقت، قلبت الأمور والمسائل على أوجهها، بحثت فيها تستنبط، تعلل الأحكام والنتائج : » هذا غير وارد!«.
كان الشيخ يقيم لها وزنا، ولا أدل على ذلك من أنه قدمها إلى الزعيم كطالبة مثالية، أثناء زيارته للمعهد!
كم كان هو يقول في نفسه: »إن الحقائق لا تنكشف إلا في اختلاف الليل والنهار«.
التقت عيناه بعينيها. عندئذ، توقفت يداها عن لعب الورق... اتسعت حدقتاها، بهتت تبحث عن الحياء، عن البسمة النقية، عن الضحكة الخبيثة، عن أسئلة محرجة، كتلك التي كانت تصدر عن صفاء العقل وتخمته، قبل أن يتحجر كيانها في الرغبة الحارة.
هي:
» هل اكتشف هذا الشقي ما يضطرم بداخلي؟«.
هو:
» إني على علم بورطتك، لاداعي لإخفاء الحقيقة«
تحدته بنظرة كادت تصعقه:
» المرأة لا تجدي المرأة شيئا... آنتم الرجال...؟«
سال جبينها عرقا، وتشنجت عضلاتها. اعترى وجهها رغم الأصباغ الحمراء، اصفرار مخيف، ثم أطرقت برأسها إلى الأرض، لا تبدي حراكا.
سأله أحد الصيادين في وقاحة:
- أهي قريبتك؟
سبقته هي إلى الكلام، كي لا تنساب الأسرار بين شفتيه:
- لا أدري أين رأيت هذا الفتى بدوري.
( أليس هذا من خبث النساء؟ أتحول صفاؤها إلى خداع؟ أيميط اللثام عن كل شيء؟ دع الأسرار في ذمة أصحابها).
وقال خبثا بخبث:
- لا أدري أين رأيتك بدوري؟ لكن، لا يهم!
هي:
- هذا ما وجدتني أنساب إليه في تفكيري
لما لاحظ أنها تتورط أكثر، دعاها:
- لنؤجل هذا الأمر...
جلس إلى الجماعة يلاعبهم الورق، مواجها لها. ولما انهزمت، جمعت الأوراق فبكت. لكن أحدا لم يعر نحيبها بالا، سواه.امتعض، لما كان قد أمسك بها أحد الصيادين قائلا لصاحبه:
إنها من نصيبي ستشاركني الليلة مضجعي.
اكتفى هو بالقول منهزما:
» وغد... ما رعى للدموع حقا، ولا رعى مهابة الموقف«.
وأضاف:
» ماذا أفعل من أجلك؟ ليس ثمة الصفاء الذي أعرفه قبل: لا مبدأ، لا مثل«.
هي:
» هل لابد أن تقترن أفعالنا كلها بالمثل؟«
هو:
» إنما من اجلها، يحيا الرجال ويموت »الرجال «.
هي:
» ماذا تعني؟«
هو:
» جل الخطايا مقترنة بإرادتنا وبتصور مغلوط«.
هي:
» أصر على تخطي قيمك لمصارعة كل إرادة مائعة«
هو:
» هيهات!«
هي:
» أحتقرك. جبان! تف!«
كاد يصرخ بملء فيه:
» يا شيخنا... تعال انظر!«
غادر الغرفة، يعود أدراجه حيث جاء. وما كاد يتخطى عتبة الدار، حتى التحقت به، كادت تفشل في محاولة استدراجه بالكلام قبل أن تعترض طريقه، ليتوقف محاولا الخلاص منها:
- ماذا جرى؟.. عم تبحثين، دعيني وانصرفي... ( ليس في الإمكان أبدع مما كان).
تشبثت به تستحثه على الكلام في نبرات مخنوقة:
- ستعرف التفاصيل... عنك أبحث بالذات... لا تتعجل هكذا.
هو:
- كنت أظن أنك لن تتخلصي من الصيادين
هي:
- هذا بالضبط الموضوع الذي جئتك من أجله: بربك هل بقيت راسخة في ذهنك، دروس الشيخ في النجدة ونكران الذات؟
لكنها لما وجدته مكتوف اليدين، أيقنت أن الظنون ذهبت به مذاهب شتى، لقد تجاهلته أمام أصحابها وزبنائها، لأنها لا تريد بعث ماض، هو سبب إفراز واقع متعفن. لهذا اندهشت لمقدمه، على غير عادة. وقد بدا لها، أنه قد تحول من فتى نحيل البنية، ما كان ليأبه به أحد، من الطلبة إلا هي، إلى ما تراه من اكتمال رجولة، ونعومة شباب. كان فتى أحلامها، لم تصارحه بذلك على الإطلاق، لكنه هفا إليها أمدا طويلا، حاول أن يركع تحت قدميها، لولا كثير من الفروق، كانت تحول دون ذلك، رغم أنها كانت تديم إليه النظر، في غفلة عن الشيخ والطلاب. ما كانت تحسب أن الأيام، ستفرق بينهما، لولا سفره هو الأخر إلى بلاد الشمس.
جفت دموعها بمنديل تفوح منه مساحيق نتنة كالحلفاء، وتراءى له، على ضوء المصابيح الخافتة، وجه ذابل، غارق في الأصباغ. امتعض. أحس بنتونة الحيتان الضخمة، تسري إلى خياشيمه.
هي:
» لا تستغرب يا رفيقي... إن بعض الأفكار ظنون«.
» أتساءل فقط كيف انحدرت إلى الهاوية«.
وكأنه نسي.
ففي يوم من أيام أبريل، تشابكت أغصان اللوز عذب العناق، وهام بالورد الفراش. تنفس صدر الأرض عنبرا، ومص الشارع خطى العشاق الحائرين. هناك، عند الجدار، في مدار الشارع المجاور، في الزاوية اليمنى، كان هو، يكتب كلماته بعناية، كل نزوات المراهقين: القلب، والسهم، والفارس المغوار!
آه من فارس الأحلام!.. كان ينقش اسمها على كل جذوع الأشجار، والكون يصغي بهدوء إلى عشقهما.
وفي كل صباح، يدق بابها موزع البريد... إنسان طيب القلب، بشوش المحيا، يحمل منه إليها، رسائل الأشواق.
ثم بعد أيام، صادفت شابا آخر غيره، تلاقت العيون، سبح كلاهما في الأحلام، يحتبيان بالحديقة عند الاقتضاء. ثمة، خططا لتحريك عصا الترحال، لتتخذ فيما بعد عدة محاور، في اتجاهات متباينة؛ فكأنما تلك العصا لم تستقر بعد، على قرار نهائي، بما صادفته من ميول ثائرة في هواها. ولعن هو، الحدائق، والورود، والظلال، والستائر.
ثرثرت مع صديقها الجديد بالكلام، ساعة أو ساعتين، مشيا الهوينا يقتطعان ممرات الحديقة، ثم يرجعان في المساء، ليفترقا حيث بدأ لقاؤهما.
وناله من كل ذلك انتكاسة عاطفية، رسمت على وجهه قتامة من الحزن. ولكنه سرعان ما ابتعد عن هذا الهوى، وآثر السلامة والصفاء. عن كل ما يكدر البال. أما المتعاشقان الجديدان، فإنهما دائبان على اللقاء، في كل صباح تال. هما وعيون الآخرين، ولا شيء آخر.
قيل إن لقاءهما غير الحب. ولاكهما الوشاة: قصة شابين مراهقين، اتفقا أو اختلفا في أمرهما، إلى آخر ذيول الكلام.
وقيل أن كليهما يستقري، يستنبط الأحكام، بأسلوب منهجي.
واتضح، وكانت النتيجة بعد أيام، أن لا مبرر للبقاء في الحي قيد مواضعات خرقاء، وأن عليهما أن يعقدا العزم على الرحيل، لأنهما سئما الدوران مع الحي، والشيخ، وتصريحات الزعيم، في حلقات مفرغة.
لما حاول أن يثنيها عن الرحيل بنظراته، اعتذرت وقالت:
» نحن نكوى بالحقيقة، لأن الليل، رفيقي القديم، بئر عميقة السواد!«
كان والدها وجيها، ذا بزة بيضاء، معمم الرأس، ناعل بلغة صفراء، يقبل أهل الحي يده... الرزانة والوقار، مرجع طلاب الحاجات... لا يرد سائلا.
كذلك كان. ذات يوم، تناقل الحي الخبر. » فتاة الدرب، تطير مع فتى الأحلام«.
انفكت العمامة... وسقط الوقار... » آه، الحقائق مرة!!«
وحتى وهي تائهة في أزقة المدينة القديمة ما كانت تظن يتركها وحيدة، ثم ينسى الحي الخبر: لكن الليل فخ منصوب.
هو:
» ترى أين هو؟«
هي:
» نبذني بعد أيام، عشيقي فتى الأحلام، كلانا يبحث عن رفيق أحلام جديد، يدور في حلقة مفرغة«
هاهي ذي تخرج الليل، تقتنص الخنازير لحمها في مغارة حجرية.
هم أن يتخلص منها ثانية، وهمس إليها:
» لقد نسيت كل حماقات الصبا والشباب. إنني أبحث عن الحب بطريقة أخرى«.
هي:
» بعد قليل تعرف البقية«
جذبته في خلاعة:
» تعال رفيقي القديم، يلفنا الليل، نرتمي في مغارة، تغمرنا الأصباغ والحرارة، في رحلة عبر متاهات الزمن!«.
2
دق السمسار اليهودي باب الشقة، وعندما فتح هو الباب، أخبره السمسار:
- الدار ستنتقل من ملكية» كاستيللا« إلى ملكية الحاج صفوان.
وقدم إليه صاحب الدار الجديد. هتف الحاج صفوان:
- أنا صاحب هذا البيت. سأستلم كراءها كل شهر، وسأسكن إحدى شققها، أنا وعائلتي.
وأضاف:
» لن يكون بيننا إلا خير وإحسان«.
لما استكان كلاهما إلى الآخر، انصرف اليهودي. أمر الحاج صفوان، أن يجلس على الكرسي المقابل، وتحدثا ساعات.
من خلال حديث صاحب الدار الجديد، علم أنه تزوج من تلميذة قاصرة، ضرة على زوجته، وأنه مصاب بالعنة. ثم إن أصهاره وقفوا على الخبر، فطالبوه بالطلاق، لانعدام رجولته. وتم لهم ما أرادوا، حسب قوله.
شعر برجولته يستردها، يوم أن أكمل السبعين من عمره، وأنه لأجل ذلك، يحتاج إلى مشورة شاب، لا مانع أن يكون مثله هو، ثم ما لبث أن بادره:
- هل أنت متزوج؟
- قريبا أفعل ذلك.
وبمثل هذا الحديث الصريح، قامت علاقة بينه وبين صاحب البيت الجديد.
3
أحصى الحاج صفوان سكان عمارته واحدا واحدا.كان أخرهم لاجئة جزائرية، هربت من متابعات السلطات الفرنسية بالجزائر.
تغير وضع العمارة، في يوم واحد، من تسلم الحاج صفوان لها، فقد أعلن على رؤوس الملأ : أن باب العمارة يغلق في الحادية عشرة ليلا، ومن كان بالشارع فليبق حيث هو، ومن كان بداخل العمارة، فعليه أن ينام بهدوء.
ولكي يعلن الحاج عن ملكيته للدار، شغل الردهة بكاملها، وكانت زوجته» القديمة« تجلس القرفصاء، تشوي كبابا، تطعمه وتطعم الحاج.
الحاج في رجاء:
- لن أستسيغ مذاق الكباب حتى تكتب لي رسالة.
غمزه بطرف عينه مشيرا إلى زوجته التي حجبها دخان الكباب، وكانت ذات سحنة بدوية غير موغلة في الترهل والقدم:
- انظر، ألم أقل لك إنني أعيش مع »ليزاباش«؟؟
- لكنك طلقت... أليس كذلك؟!
- قلت لك لابد من أن تكتب رسالة إلى صهر جديد.
رن جرس باب العمارة الخارجي، أسرع الحاج صفوان إلى الباب ففتحه. دخل طالب بصحبة رفيقته. استوقفهما؛ وجه الخطاب إلى الشاب في استنكار:
- ما هذا؟
أصر على عدم السماح لرفيقة الشاب بالدخول.
ارتعبت الفتاة، ثم حثت صديقها على مغادرة المكان خوفا من فضيحة الجيران. غير أن رفيقها رفض الانصياع لأوامر الحاج، تمادى الحاج صفوان وأصر إلا أن ينفد قراره: فمن هذا الشاب، ليرده عن مبتغاه؟ وعبثا حاول هو، أن يلطف من الجو الخانق، فما ازداد الحاج إلا عتوا، وهكذا زجره:
- قلت لك اكتب الرسالة... تلك هي مهمتك!
شمر الحاج عن ساعديه، فاشتبك مع الشاب يدمدم متوعدا: " لابد أن أصفي هذه العمارة من الفاسقين والفاجرين".
في الأخير، انتهى العراك بسقوطه تحت وطأة لكمات مركزة، تركت وجهه ينزف دما.
بدا طريح الأرض، يكاد يكون عاجزا عن أية حركة.
تشاغلت زوجته عن الحادث بشي الكباب.
قالت دون أن تأبه للدور المسرحي الذي يمثله زوجها الطريح: » ليست هذه أول مرة سقط فيها «.
عبثا، حاول أن يجمع أطرافه، يساعده هو، وقال بعد جهد:
» إياك أن تصدقها يا ولدي... ثم لا تنس أن تكون شاهدا...على ...«.
البيضاء خريف 1974