الحلقة 1\
16
(بحث في وجدان أرض الحكايات .. سطات..مدينة الملائكة فقط)
الحلقة1
شعيب حليفي
|
رسم بريشة زينب يوم 13 أكتوبر2008
|
فواكه الخريف يصبح مذاقها أكثر إمتاعا في مرحلتها الانتقالية إلى فصل الشتاء الذي يبشر هذا العام بوفرة مطرية لا تعبأ بالأزمة المالية المصرفية بالعالم .الرمان يتربع عروش كل الفاكهة وآخر مرحلة من إنتاج البطيخ الذي نسميه "السويهلة" برائحته التي تغمر النفس قبل المكان .وهما معا غير عابئين بافتتاح الدورة الخريفية للبرلمان المغربي أو بالطفرة المثيرة للفقر وانتشار العنف والسرقة بشكل مكثف واستمرار الحديث عن ملفات الفساد والمخدرات والإرهاب أو بخطبة الوزير هذا، والوزيرة تلك، أو سعادة نخبة من الفنانين والمثقفين الذين ...
قال لي أحد أصدقائي ونحن نتحدث في كل هذه الأزمات بأن الحل يكمن في الديمقراطية،ولا شيء غيرها .
لم يكن في خلدي، البحث عن جواب، ولم أعرف لماذا قلت له بأن الحل يكمن في أكل الفواكه بانتظام واستمتاع.
افتتحنا شهر أكتوبر بـ العيد الصغير،عيد الفطر..ودُّعنا معه شهر رمضان بعد أُلفة حميمة. في اليوم الثاني سافرت إلى مدينة سطات رفقة زوجتي وأبنائي لثلاثة أيام إلى جانب أمي وأبي وباقي أفراد العائلة.
كنت في اليوم الثالث حزينا وصامتا لما سمعته من أحداث أصابت بعض أصدقاءي ،في ذلك المساء الخريفي البارد ، والذي كانت شموس سطات فيه رخية تتراجع بغنج فاضح إلى مراقدها ، شعرت برغبة جامحة في امتطاء الرياح .أحكمت إغلاق الجاكيت عليَّ ، ثم أخرجت الفرس من الإسطبل.. بلونه الأسود وخط ابيض برجله اليسرى .
ألجمته وارتميت عليه بدون سرج ثم انطلقت من حقول أولاد شعيب مرورا بمزارع أولاد سليمان نحو الغابة التي وصلتها لحظة كانت شمس الغروب،على شمالي، تواصل هبوطها مودعة النور بشعاعاته الغريقة وقد صارت أرقَّ من نسيم الفجر القادم ...قبل أن أعود متمهلا من حيث أتيت وكان الظلام قد تمكن من الهبوط .
تأويلات في الاسم واللون
سطات مديني التي أنتسب إلى ترابها وروحها وتاريخها ،كل شيء فيها يحتمل التناسل والخصوبة بدءا من إنتاج القمح والشعير إلى توليد الحكايات وإلباسها للتاريخ المحلي الحافل بكل أنواع البطولات والكرامات.
يتمدد الخيال في البحث عن الجذر الضائع لاسم سطات بين رقم واسم علم، واحتمال ثالث غير مستكنه بعد. بالنسبة للرقم 16( سادس عشر ) والذي ينطق في الدارجة المغربية( سطَّاشْ) ،و يقال إنه تحول إلى سطات تخفيفا لنسيان الموت الذي طال الستة عشر عالما في ظروف ما خلال القرن السادس عشر، (فنحن نسمي التذكرات الجارحة كي ننساها؟).
وقد يكون اسم سطات أيضا من اسم العلم زطَّاطْ، وهو لقب كان يطلق على الشخص النبيل والشجاع، المشتغل بحماية الركب والقوافل من مكان لآخر بمقابل . وظيفة ذات دلالة في فترة تاريخية استعاد فيها المكان قدرته على أن يكون جسرا للحفاظ على الحياة.
روايتان.. الأولى للموت تأكيدا والثانية نفيا بالإضافة إلى احتمالات أخرى في أذهان قبائل المزامزة الذين يزرعون الحكايات ويحصدونها، وهي ليست بعيدة عن عمق و " قدسية" كرامات بويا حجاج شيخ الوقار وحارس العلوة، وسيدي امحمد البهلول العزري الزهواني المؤسس لفضاء الحياة وسط موت الأِشياء.
كل شيء في سطات (وقبائل المزامزة هم رحِم المدينة ومتنفسها) احتمال لفرضيات، وظل لماض مأهول، حتى الإشباع ، بالحقيقة المتخفية في كرامات وأوهام وحروب ومنافي وصهد من جهة لا معلومة. كان لابد أن يقف بويا الغليمي، كبير أولياء المنطقة منذ القرن الثامن عشر، لمفاجأة كل ذلك الضيم الذي عرَّش على سحنات المزمزيين، والمتقطر سائلا أحمرمن الرؤوس المعلقة على سور القصبة التي هي على يمينه تتمدد، حتى أن حمرة السور اليوم، لا يمكن لأحد أن يشك في كونها فعلا هي لون الدماء التي تشربها التراب واصطبغ بها. ويعتقد كل أهالينا الذين لهم تاريخ بالمنطقة أن ذلك الحائط الإسماعيلي بلونه القاني هو من دماء تنتمي إلى سلالاتهم من شهداء تلك المرحلة .
***
لـ زينب قدرة عجيبة على استدرار الدموع من عينيها كلما شعرت بظلم أو أخذ أحد منها شيئا .ولها أيضا نفس المقدرة على الضحك وهي أول من ينام بالبيت وآخر من يستفيق .
تحبني كثيرا وتحب الخروج معي في نهاية الأسبوع سواء في السيارة أو مترجلين .لا تهمها من الرسوم المتحركة سوى" توم وجيري" مقابل الجري والركوب على دراجة أخيها وكلما أحست بالتعب تبحث عن الطباشير لتكتب وترسم على السبورة .
شموس سطات
سطات مدينة ليس لها مثيل في العالم ، هي صورة بالأبيض والأسود ولو وجدت من يعتني بها لأصبحت مشهدا من الجنة التي وعدنا الله بها .
مكان ذو هواء صحي ، لا رطوبة فيه ، محاط بأجود الأراضي الفلاحية ، مناخها ممطر شتاء وصاهد صيفا ، يتوسطها نهر ويسكنها أناس يجسدون التعددية الكاملة لكافة القبائل المغربية من الشمال إلى الجنوب.
سطات جزء أساسي من كل القبائل المحيطة بها ،وهي المدينة التي ساهمت في إعمار الدار البيضاء وأعطتها الطابع الكوزموبوليتاني .وبقدر ما أنا فخور بالانتماء إلى مدينتي ، أنا حزين لما آلت إليه : بناء عشوائي ، تدمير للوادي والبحيرة ،هجوم على الغابة والعراصي المحيطة ، سوء التسيير والتدبير وغياب إرادة حقيقية تفهم أن سطات هي تاريخ وحضارة وإرث جماعي يمكن عبر الاعتناء العقلاني به، أن تكون أحسن من كوينكا وطليطلة الإسبانيتين وأقرب إلى أثينا اليونانية وأنتيب الفرنسية .
سطات.. أيتها النفس ، ليست مدينة ، بل شلال من الخيالات ورواية أزلية أبطالها من كل الطبقات والفئات ...من كبار الثوار والعلماء والفقهاء والأولياء ... أهلها أكثرهم ملائكة وإن تحول بعضهم إلى شياطين ، فلأنهم أرادوا ذلك ورغبوا فيه .وأنا أحب هذه المدينة مثلما أحب أهلها وتاريخها الذي يأسرني .رواية مفتوحة تتجدد فصولها كل يوم ، أبطالها من البسطاء الذين يتحولون إلى ملاحم وأساطير وأغاني..أسماء أختار منها بعض من أتذكره في كل السنوات السابقة وقد غابت وبقيتْ نسيا موشوما في الرياح التي تهب على المدينة كل يوم .